توماس ليندمان، مسئول المؤسسات الريفية، إدارة المؤسسات الريفية والمشاركة: "تستطيع المجموعات المواضيعية للشبكة أن تمارس وظيفة هامة لكسب التأييد فيما يتعلق بوزارات المالية والداخلية لكي يتم توجيه الموارد نحو السكان الريفيين في سياق الاتجاه المتنامي نحو اللامركزية".
وفي هذا الحوار، يشرح توماس ليندمان، مسئول المؤسسات الريفية،إدارة المؤسسات الريفية والمشاركة، مفهوم اللامركزية في السنوات الأخيرة والوضع الحالي لهذه العمليات وأهميتها في القطاع الزراعي ويؤكد في نفس الوقت على الحاجة لإشراك المجتمع المدني في هذا المجال.
ما هي اللامركزية؟
إنها العملية التي تقوم الحكومات من خلالها بنقل صلاحياتها من الحكومة المركزية للوحدات الثانوية على المستوى الإقليمي. واللامركزية كما نفهمها اليوم تعني الانتقال من الإدارة القطاعية للموارد الطبيعية إلى إدارة أكثر إقليمية . وتحدد المؤلفات حول هذا الموضوع ثلاثة مستويات تحكم هذا المفهوم منذ الثمانينات.
-- اللاتركيز أقل أشكال اللامركزية اكتمالاً وهي عملية تنقل من خلالها الحكومة المركزية المسئولية لمديرين خارج دائرة المركز ولكن تحت سيطرته.
-- التفويض والذي يمكن أن يكون له صفة أكثر تطوراً وهو نقل المسئوليات لمنظمات شبه حكومية أو هيئات في المجتمع المدني لتنفيذ مهام محددة بعينها.
-- التنازل عن السلطة وهو أكثر أشكال اللامركزية تطوراً ويتكون من نقل السلطة من الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية ومنح استقلالية كاملة في صنع القرار ومراجعة استخدام الموارد التي تم الحصول عليها وهذا المفهوم الأخير يعرف "بالمساءلة"( أي تقديم تبريرات) التي ترتبط بالتنازل عن السلطة للمجتمع المدني المحلي الذي ينتخب ممثليه ديمقراطياً.
لماذا تعتبر اللامركزية ضرورية في القطاع الزراعي؟
أولاً لللامركزية مزايا لإدارة أكثر كفاءة للموارد الطبيعية وللإنتاجية الزراعية على المستوى المحلي بقدر ما تنقل مسئولية كليهما للمؤسسات المحلية التي تجد نفسها قريبة من السكان المسئولين عن تنفيذ استخدامات الموارد الطبيعية. وبمصطلحات التنمية الريفية دائماً ما نتحدث عن "مبدأ الفروع" الذي يرى أن كفاءة المؤسسات تعتمد على قربها من المجتمع المستفيد.
ثانياً اللامركزية متصلة صلة وثيقة بالديمقراطية حيث أن الانتخاب بالتصويت الشعبي يمتد حتى إلى المستويات المحلية. وكان العديد من العمد في الماضي يعينون من قبل الحكومة المركزية. فعمليات اللامركزية التي ظهرت ،على سبيل المثال، في أمريكا اللاتينية خلال التسعينات أعطت دفعة لقوانين جديدة للانتخابات من خلال التصويت للسلطات المحلية ولذلك أيضاً مردود سياسي في غاية الأهمية.
والإنتاجية والديمقراطية هما مفهومان متصلان إلى حد كبير بالمساواة والعدل في التنمية الريفية وبالأمن الغذائي والحد من الفقر.
هل تعتبر عمليات اللامركزية في آسيا وأفريقيا على نفس مستوى التقدم مثل أمريكا اللاتينية؟
الأمر يختلف من دولة إلى أخرى. فمثلاً في الهند لدينا البانشايات أو المجالس المحلية التي تسبق الاستعمار الإنجليزي ولها تأثير قوي على التنمية الريفية على المستوى المحلي في البلاد. وفي الفلبين بالإضافة إلى السلطات المحلية المماثلة لتلك السلطات في أمريكا اللاتينية، هناك السلطات المحلية التقليدية التي تسمى بارانجاي والتي كان لها مسئوليات كبيرة أثناء الإصلاح الزراعي الذي طبقته حكومة كورازون أكينو. وفي حالة الصين، فبالرغم من المحاولة لتطبيق اللامركزية الجديدة فلم تكن أدوات الديمقراطية موجودة، وهذا يوضح الأهمية التي يمكن أن تحظى بها الإدارة اللامركزية للتأكد من وصول أهم التطورات الحضارية للمجتمعات النائية. والبلاد بأسرها على سبيل المثال، تقطعها طرق ممهدة تم بناؤها على أساس العمل الاجتماعي الذي تنظمه المؤسسات المحلية.
في حالة أفريقيا، يؤسفني أن أحد أهم العوائق أمام اللامركزية هو التنافس وتضارب المصالح الذي ينشأ بين السلطات الحكومية وزعماء القبائل التقليدية. والتحدي الرئيسي الذي تواجهه اللامركزية في أفريقيا هو احترام التنظيمات القبلية وتحولها إلى الديمقراطية.
ما هي الشروط اللازمة لدولة ما لكي تستطيع أن تطبق اللامركزية؟
أثناء
المشاورة الفنية حول اللامركزية التي عقدت في روما في ديسمبر 1997 بالمقر الرئيسي للفاو وبمساعدة
البنك الدولي و
الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (ايفاد) و
هيئة المعونة الألمانية
وشركاء آخرين، كان هناك تصميماً على أن أهم العوامل من أجل لامركزية ناجحة هو وجود حكومة مركزية قوية ذات رؤية واضحة لخطة العمل القطرية. الشرط الثاني هو اعتبار اللامركزية نفسها عملية متاقطعة تتشابك أفقياً مع القطاعات المختلفة المرتبطة بالتنمية الإقليمية والمحلية. وهذا يعني أن اللامركزية لها أثر يفصل بين القطاعات فتتغير من إدارة قطاعية إلى إدارة إقليمية للموارد الطبيعية. فإذا أردنا أن نطبق هذا مثلاً في مجال الفنون، يمكننا أن نقول الإدارة القطاعية للموارد مثل الموسيقى لها مدة زمنية. وغالباً ما يحدد المركز إيقاع هذه الرقصة مما يلزم السكان المحليين بالرقص على إيقاع ليس إيقاعهم. ومن ناحية أخرى، فالإدارة الإقليمية أشبه بالرسم الذي يحدث منفرداً. ولذلك فالآثار التي يتركها هذا النوع من الإدارة أكثر دواماً على مر الزمان. ولكن الفكرة هي ليست إنهاء دور الإدارة القطاعية؛ ففي حالات كثيرة، يجب أن تكون الأولوية للإدارة القطاعية القطرية قبل المحلية.
كيف يمكن تطبيق اللامركزية في بلاد تفتقر الإطار القضائي المناسب لمثل هذه العمليات؟
صحيح أن اللامركزية تتطلب قوانين ملائمة لإيجاد البيئة المناسبة لنجاح مثل هذه العمليات. كانت هذه هي الحالة ،على سبيل المثال، في بوليفيا حيث ساعدت قوانين اللامركزية والمشاركة الشعبية على تيسير العملية لحد كبير في التسعينات. وفي حالة بوليفيا، فقد أعيد تنظيم جهاز الحكومة المركزية بأكمله فأصبح أكثر ارتباطاً بمنهج متقاطع وليس منهج قطاعي نحو التنمية مما يتفق بقوة مع مقترحات التنمية البشرية التي يشجعها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
والآن، فقد تحدث أيضاً عملية عكسية: وهي تجميع الصلاحيات المؤسسية من القاعدة للقمة بصرف النظر عن وجود الإطار القانوني أم لا. وفي حالة هندوراس حيث لا يزال يحتاج قانون اللامركزية إلى تطوير كبير، تقوم الفاو بإدارة مشروع في منطقة لامبيراسور، والذي يسعى لضمان الأمن الغذائي للسكان المحليين والإدارة المستدامة للمنحدرات الجبلية الضعيفة في المنطقة. ويسترشد هذان الهدفان بمقترح أعد لتدعيم التخطيط المحلي بداية من مجالس التنمية المحلية التي تمثل المجتمعات المنعزلة والنائية لكي يشارك سكان هذه المناطق في صنع القرار في البلدية. فوق هذا المستوى، هناك جمعية للمدن في لامبيراسور تجمع 11 بلدية ولها ثقل أكبر في التفاوض مع السلطات المحلية حول الطلبات التي تنشأ من القاعدة. كل هذه التطورات منذ التسعينات تسهم في التغيير من قوانين اللعبة بشكل تدريجي، ولكنه جوهري. بالإضافة إلى ذلك، بإمكان الحكومة المركزية من خلال هذه الأنظمة أن توصل مواردها للمناطق النائية. وبهذه الطريقة، يتم تحقيق إدارة التنمية الزراعية التي تعتمد على الطلب. وقد ظهرت نتائج كل ذلك فكانت أقل المناطق التي تضررت أثناء إعصار ميتش برغم أن فيها أضعف جوانب جبلية في البلاد في الواقع هي لامبيراسور. كما كان أيضاً لدى سكانها مخزون من احتياطي الذرة الذي قد يتم إرساله ليستفيد به مواطنوهم في أجزاء أخرى من البلاد.
هل من اللازم إشراك المجتمع المدني في عمليات اللامركزية؟
إن إشراكه في غاية الأهمية. بالإضافة إلى مستويات اللامركزية الثلاثة التي سبق ذكرها، هناك اثنان آخران: الخصخصة والتحالفات الاستراتيجية. وهذان الأخيران في غاية الأهمية في السياق الدولي لتناقص الموارد من أجل تقديم الخدمات على المستوى المحلي. ومع الفراغ المؤسسي الذي سببته التعديلات الهيكلية التي بدأت في منتصف الثمانينات، وجدت الوزارات المسئولة عن تنمية الزراعة والغابات وصيد الأسماك انخفاضاً كبيراً في المقترحات. في فنزويلا، كأحد الأمثلة، شهدت وزارة الزراعة خفضاً في موظفيها من 30.000 إلى 2000 موظف. وفي الإكوادور، كان الخفض من 10.000 إلى 600 . وفي نفس الوقت وبفضل قوانين اللامركزية، اكتسبت البلديات ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية أهمية كبرى مطردة. ومن المناسب أن نفرق هنا بين منظمات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية. المنظمات غير الحكومية يتم تمويلها بموارد خارج السكان المحليين ولذلك فالمساءلة تعود لهيئة خارجية. أما منظمات المجتمع المدني، فيمولها أعضاؤها الذين يتحكمون بالتالي في المنظمة. وفي نفس الوقت تبرز شركات القطاع الخاص بقوة أكبر لتلعب دوراً أكثر أهمية من ذي قبل في عالم الريف، وهو ما نتج عن انخفاض الدعم الحكومي. وبدأت الشركات في الاضطلاع بوظائف كانت تخص الوزارات عادةً. كل هؤلاء الشركاء موجودون في المجتمعات المحلية ، والتحدي الصعب هو الربط بينهم لخلق التعاون ومن ثم تجنب ازدواج المجهودات.
وفي هذا المعنى ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه شبكة الأمم المتحدة في التنمية الريفية والأمن الغذائي؟
التعاون يجب تشجيعه على المستوى المحلي بالإضافة إلى المستوى القطري. من المهم أن تظل الحكومات المركزية قوية وتستطيع المجموعات المواضيعية على هذا المستوى أن تلعب دور (وقد قامت بذلك بالفعل في عدة مناسبات) جمع الموارد التي يمكن أن تصل إلى المستويات المحلية لتشجيع التنمية المحلية والزراعية. وبإمكان المجموعات المواضيعية التي تواجه الاختفاء الفعلي لوزارات الزراعة بالإضافة إلى الموارد المتناقصة للتنمية الريفية أن توجه الموارد إلى البلديات في القطاع الريفي حتى لا يتركز كل شيء في المدن الكبيرة، ولكن تصل للمجتمعات النائية أيضاً، والتي عادةً ما تسجل أعلى المؤشرات بالنسبة لانعدام الأمن الغذائي والتدهور البيئي.
وظيفة أخرى تستطيع القيام بها المجموعات المواضيعية هي الدعاية لخطط جمع الأموال التي يرسلها العاملون في الخارج للاستثمار المربح. وفي جميع أنحاء أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا اليوم، تعد تحويلات المهاجرين إلى الوطن أحد أكبر مصادر توفير العملة. ونأمل أن تتمكن المجموعات المواضيعية من تصميم آليات لجمع هذه الموارد واستثمارها بشكل مربح. وهذا موضوع لايزال لم يتم استكشافه بعد، ولكنه في غاية الأهمية من أجل مستقبل المجتمعات الريفية.